إعداد: نور الدين المباركي
حركة التبشير نشيطة ويقوم بها تونسيون
الفراغ الثقافي أحد الأسباب
300 مليون دولار تصرف سنويا لدعم حركة التبشير في شمال إفريقيا
أرقام متضاربة حول عدد المتنصرين في تونس
مسيحي تونسي لـ"الوطن": "أتباع الكنيسة الإنجيلية في تونس يتجاوزون الـ10 آلاف"
مبشرة مسيحية: "جئت إلى تونس بذهنية التبشير.. ولاحظت أنهم عطشى ليتعرفوا علينا"
مساء يوم 14 جانفي تابعت حلقة برنامج "عسلامة" الذي تبثه فضائية مختصة في التبشير والدعوة لاعتناق المسيحية.
موضوع الحلقة كان "تاريخ الكنيسة"، أما الرسالة الأساسية التي حاول المنشط وضيفاه (وهم تونسيون) إبلاغها هي أن "المسيحيين التونسيين ليسوا صنيعة الاستعمار أو الحركات التبشيرية، إنما لهم جذورهم التي تعود إلى مئات السنين…".
واجتهدوا في تقديم ما يثبت كلامهم، من ذلك الآثار التي تشير إلى انتشار "المعموديات" والكنائس في عديد المناطق في البلاد… و"الوشم" الذي يشير إلى الصليب وتضعه العجائز… الخ.
ويبدو أن الهدف من هذه الحلقة كان مزدوجا، فمن ناحية هو رد على الأصوات التي تحذر منذ مدة من انتشار حركة التبشير والتنصير في تونس وشمال إفريقيا عموما، ومن وجود هيئات وجمعيات غربية وأمريكية وراء هذه الحركة النشيطة، وهو من ناحية أخرى دعوة للمسيحيين التونسيين خاصة الشباب ممن اعتنقوا المسيحية مؤخرا للتمسك "بدينهم الجديد" وأن لهم "جذورهم وتقاليدهم في هذه البلاد… وبالتالي ليسوا مسقطين أو تم زرعهم…"، كما جاء على لسان منشط برنامج "عسلامة".
إن هذه الحلقة من برنامج "عسلامة"، إلى جانب عدة وثائق ودراسات وشهادات أخرى تجعلنا نقول بوضوح: إن التبشير في تونس نشيط وتمكن من تحقيق خطوات، لم يعد من الممكن تجاهلها أو نفيها، وإن الموقف السليم هو التعاطي مع هذه المسألة والبحث في الأسباب والدوافع التي تجعل تلامذة وطلبة وشبانا، بعضهم لم يبلغ العشرين من عمره يستجيب لدعوات هؤلاء "المبشرين الجدد" وبعضهم يقبل أن يقاطع أهله وأصدقاءه من "أجل يسوع الذي خلصه وكشف أمامه طريق الحق".
حرية المعتقد في تونس مضمونة ويكفلها دستور البلاد ولم يحدث أن اشتكى أي كان من اضطهاد على أساس معتقده أو دينه أو عرقه.
هذه حقيقة يتفق حولها الجميع، لكن ذلك لا يمنع من وجهة نظرنا أن نتابع وأن نهتم بكافة الظواهر التي أصبحت تجد مكانا لها بين الشباب. وقد سبق لصحيفة "الوطن" أن تعرضت إلى بعضها من ذلك: مظاهر الميوعة والانحلال الأخلاقي (العدد 5) وعبدة الشيطان في تونس(العددين 6 و7) والسلفية الجهادية (العدد 20) والعنف في الملاعب الرياضية (العدد 21).
من هذه الزاوية والخلفية، سنتعرض في هذا العدد إلى مسألة التبشير في تونس وأسباب إقبال فئات من الشباب على اعتناق المسيحية.
التبشير في تونس حقيقة ملموسة
يمنع القانون التونسي التبشير ويحظر أعماله ويعتبر أن الدعوة لاعتناق المسيحية عمل يخالف النظام العام. لذلك تمّ في مناسبات عديدة ترحيل أجانب حاولوا القيام بأعمال تبشيرية وتمت مصادرة الوثائق والمواد التبشيرية من كتب وأشرطة وأقراص ممغنطة… الخ.
لكن ذلك لم يمنع هذه الحركة من التواصل والاستمرار تحت يافطات مختلفة مستغلة وسائل الاتصال الحديثة من انترنيت وفضائيات. والأهم من ذلك اعتمادها على تونسيين للقيام بالدعوة "لبشارة يسوع".
لم يعد المبشرون "الآباء البيض" كما كان يطلق عليهم سابقا.. لقد أصبح جزء هام منهم تونسيين ولدوا على هذه الأرض وتربّوا بيننا.
حدثني سائق سيارة أجرة "تاكسي" تجاذبت معه الحديث حول هذا الموضوع قال: "… ركب شابان في نهاية العقد الثاني سيارتي.. وفي الطريق حدثاني عن المسيح ومعجزاته وأبواب النعمة التي يفتحها أمام أتباعه.. وقبل أن ينزلا تركا لي الإنجيل وكتابين آخرين وقرصا ممغنطا يتضمن حياة المسيح بعدة لهجات عربية، من ضمنها اللهجة التونسية…".
وتوجد في المدونات ومنابر الحوار على شبكة الانترنيت شهادات لعدد من الشبان التونسيين يتحدثون عن اعتناقهم المسيحية ويقولون "إنهم تعرفوا على يسوع من خلال أصدقائهم أو أقاربهم وأن هؤلاء هم من قادوهم إلى الكنيسة…"
وحدثني شاب اعتنق المسيحية منذ ثلاث سنوات قائلا: "… إن نشر رسالة المسيح ومبادئه التي اقتنعت بها هي جزء من رسالتي كمؤمن… فإلى جانب أني أصلي للآخرين من أجل أن يتعرفوا على يسوع، فإني أقدم لهم ما يمكنهم من الاقتراب من المسيح، ولا أسمّي ذلك تبشيرا، إنه واجبي تجاه ما اقتنعت به…"
ومكنني هذا الشاب من كراس صغير الحجم يتضمن أمثلة للمسيح باللهجة التونسية الدارجة. وقال لي: اقرأها لتعرف لماذا اخترت المسيحية.
ويتحدث بعض المسيحيين التونسيين عن قصة شاب تونسي من جهة "المحمدية" (إحدى ضواحي العاصمة) تنصّر والتحق بالكنيسة الكاثوليكية قبل سنوات. هذا الشاب، تمكن من تنصير "عدد هام من الشبان". مما بوّأه مكانة خاصة في الكنيسة الكاثوليكية بتونس، وتمكن من السفر إلى إيطاليا وتم استقباله في الفاتيكان من طرف أعضاء مرموقين.
وهناك عدة قصص وروايات أخرى تشير بوضوح إلى أن من يقوم بالتبشير اليوم في تونس هم تونسيون، منهم من تنصر في أوروبا وعاد إلى تونس "لينشر رسالة يسوع".
ونعتقد أنه ليس صدفة أن يتم الاعتماد على تونسيين (من أبناء البلد) للقيام بالتبشير والدعوة للمسيحية حتى وإن كانوا في بداية طريقهم، ذلك أن المسألة مدروسة ولها خلفياتها.
في سنة 1978 احتضنت أمريكا الشمالية مؤتمرا يعرف بـ"مؤتمر كلورادو". هذا المؤتمر حضره نحو 150 من قادة الرأي والفكر، من بينهم نخبة من المنصّرين العاملين في الميدان وأكاديميين ومستشرقين لاهوتيين وأساتذة في علوم الأجناس وعلوم الاجتماع وعلم النفس والدراسات اللغوية ومن خبراء ومستشارين سياسيين وأمنيين وديبلوماسيين.
المؤتمر وُصِفَ بأنه "من المؤتمرات القادرة على تغيير مجرى التاريخ". وركز على ما يلي:
أولا:أن يجد الإنجيل طريقه إلى 720 مليون مسلم.
ثانيا: أن يتخلى المنصّرون عن أساليبهم البالية ووسائلهم الفاشلة.
ثالثا: أن تخرج الكنائس القومية عن عزلتها وتقتحم بعزم ثقافات المسلمين.
رابعا: أن يجد المسعى لتحريك المواطنين النّصارى في البلدان المعنية ليعملوا مع الإرساليات.
وما يحدث اليوم في تونس (وفي المغرب العربي عموما) هو ثمرة حقيقية لهذه النقاط الأربع وخاصة النقطة الرابعة.
وإلى جانب ما يقوم به التونسيون "للتبشير بيسوع".. ودفع أصدقائهم وأقاربهم لاعتناق المسيحية، فإن ما تقوم به الفضائيات وعشرات المواقع على شبكة الانترنيت وبعض الأجانب له دور في أن تكون حركة التبشير في تونس نشيطة وتستقطب الشبان والشابات.
وفي خصوص الفضائيات سنكتفي بعرض شهادات لعدد من التونسيين تشير إلى أنهم تنصروا تحت تأثير ما يبث في هذه الفضائيات، وهذه الشهادات موجودة على الموقع الإلكتروني لقناة "الحياة" التبشيرية.
يقول "طارق – تونس": "..أنا مسلم مداوم على متابعة هذا البرنامج (كشف القناع بقناة الحياة) الذي أثار العديد من الأسئلة في ذهني بخصوص إيماني المتوارث عن أمور سلمت بها من دون تفكير (…) للحقيقة أقول إن كمية التسامح التي ألمسها في المسيحية لم ألمسها في ديانة أخرى…".
ويقول "نبيل – تونس" : "حياتي تغيرت بعد مشاهدتي لبعض القنوات التنويرية التي تحكي الصفات الطيبة التي يتميز بها سيدنا المسيح (…) هناك قوة خفية في عقلي وقلبي تدعوني إلى الإيمان بالمسيح تولدت بعد مشاهدتي لبرامجكم.."
ويقول "رجل من تونس": "هذا البرنامج (الحياة في كلمة) هو السبب لتحولي لقبول الإيمان المسيحي.."
وفي خصوص شبكة الانترنيت توجد مئات المواقع الالكترونية المختصة في التبشير، توفر لمتصفحيها كل الإجابات عن الأسئلة التي يطرحونها حول المسيح والمسيحية إلى جانب كتب ووثائق وأشرطة فيديو.. ومن ضمن الكتب التي اطلعنا عليها.. كتب تمس عقيدة المسلمين ومقدساتهم والشخصيات الدينية المقدسة وتشكك في الأحاديث النبوية.. بل ويصل الأمر إلى حد التشكيك في ما نزل به القرآن.
وتتضمن أيضا وثائق باللهجة التونسية ومن ضمن الوثائق التي اطلعنا عليها "ترانيم تونسية" وقصص مسيحية باللهجة التونسية ومعطيات تاريخية حول الكنيسة في شمال إفريقيا… الخ.
كما تتضمن أشرطة فيديو لتونسيين تنصروا واعتنقوا المسيحية يتحدثون عن تجربتهم وماذا قدم لهم "يسوع من نعمة وشفاء…".
وهناك منابر حوار ودردشة يقبل عليها شبان تونسيون ويشاركون فيها.
يقول الدكتور أبو خولة في مقال له تحت عنوان "مسيحيو المغرب في حكم الإسلاميين" نشر يوم 10 أفريل 2007 على موقع إيلاف الالكتروني: "يقدر الناشط المسيحي المغربي (يوسف) أن الاتصالات الشخصية مسؤولة عن تنصير حوالي 60% من المجموع، بينما لا يتجاوز دور الانترنيت 30% والـ10% المتبقية اعتنقت المسيحية على يد المبشرين الأجانب.."
وتتعلق هذه الإحصائيات بالمغرب الأقصى ونعتقد أنها قريبة من الوضع في تونس، خاصة إذا علمنا أن هناك خطة موحدة للتبشير في المغرب العربي، تقول بعض التقارير غير الدقيقة إن حجم الإنفاق الذي تتحمله المنظمات التبشيرية في المنطقة يجاوز 300 مليون دولار سنويا.
أما في خصوص دور الأجانب في حركة التبشير في تونس، رغم أنه لا توجد معطيات دقيقة حول دورهم لأنهم يعرفون جيدا أن التبشير في تونس ممنوع وأنه يمكن أن يكونوا عرضة للترحيل.. رغم ذلك هناك عدة مؤشرات ودلائل تؤكد أن بعض الأجانب بصدد القيام بدور ما في هذه الحركة:
يتحدث عدد من متساكني مدينتي دوز وقبلي عن رجل إيطالي أنشأ مؤسسة لتعليم اللغة الإيطالية.. هذا الرجل نشيط في حركة التبشير
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |